فخر الدين الرازي

17

تفسير الرازي

فروجهن بكلمة الله . الثالث : قوله : * ( وأخذن منكم ميثاقا غليظا ) * أي أخذن منكم بسبب إفضاء بعضكم إلى بعض ميثاقا غليظا ، وصفه بالغلظة لقوته وعظمته ، وقالوا : صحبة عشرين يوما قرابة ، فكيف بما يجري بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج . النوع الخامس : من الأمور التي كلف الله تعالى بها في هذه الآية من الأمور المتعلقة بالنساء . * ( وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَاؤُكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَآءَ سَبِيلاً ) * . فيه مسائل : المسألة الأولى : قال ابن عباس وجمهور المفسرين : كان أهل الجاهلية يتزوجون بأزواج آبائهم فنهاهم الله بهذه الآية عن ذلك الفعل . المسألة الثانية : قال أبو حنيفة رضي الله عنه : يحرم على الرجل أن يتزوج بمزنية أبيه ، وقال الشافعي رحمة الله عليه : لا يحرم احتج أبو حنيفة بهذه الآية فقال : إنه تعالى نهى الرجل أن ينكح منكوحة أبيه ، والنكاح عبارة عن الوطء فكان هذا نهيا عن نكاح موطوءة أبيه ، إنما قلنا : إن النكاح عبارة عن الوطء لوجوه : الأول : قوله تعالى : * ( فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره ) * ( البقرة : 230 ) أضاف هذا النكاح إلى الزوج ، والنكاح المضاف إلى الزوج هو الوطء لا العقد ، لأن الانسان لا يمكنه أن يتزوج بزوجة نفسه لأن تحصيل الحاصل محال ، ولأنه لو كان المراد بالنكاح في هذه الآية هو العقد لوجب أن يحصل التحليل بمجرد العقد وحيث لم يحصل علمنا أن المراد من النكاح في هذه الآية ليس هو العقد ، فتعين أن يكون هو الوطء لأنه لا قائل بالفرق ، الثاني : قوله تعالى : * ( وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح ) * ( النساء : 6 ) والمراد من النكاح ههنا الوطء لا العقد ، لأن أهلية العقد كانت حاصلة أبدا . الثالث : قوله تعالى : * ( الزاني لا ينكح إلا زانية ) * ( النور : 3 ) فلو كان المراد ههنا العقد لزم الكذب . الرابع : قوله عليه الصلاة والسلام : " ناكح اليد ملعون " ومعلوم أن المراد ليس هو العقد بل هو الوطء . فثبت بهذه الوجوه أن النكاح عبارة عن الوطء ، فلزم أن يكون قوله تعالى : * ( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم ) * أي : ولا تنكحوا ما وطئهن آباؤكم ، وهذا يدخل فيه المنكوحة والمزنية ، لا يقال : كما أن لفظ النكاح ورد بمعنى الوطء فقد ورد